فخر الدين الرازي
200
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نفخة الفزع يسير اللَّه الجبال وترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ، قلوب / يومئذ واجفة ، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح » وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة . واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها ، وتكون من أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة . المسألة الثالثة : روى « أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم ، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر . فقال عليه السلام : « أتدرون أي ذلك اليوم هو ؟ قالوا اللَّه ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم يقول اللَّه لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك ، فيقول آدم وما بعث النار ؟ يعني من كم كم ؟ فيقول اللَّه عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فعند ذلك يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا فمن ينجو يا رسول اللَّه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا اللَّه ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب ، فقال عمر سبعون ألفا ؟ قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا ، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول اللَّه أدع اللَّه أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، فقال سبقك بها عكاشة » فخاض الناس في السبعين ألفا فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام ، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبروا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بما قالوا فقال : « هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون » . المسألة الرابعة : أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة . المسألة الخامسة : احتجت المعتزلة بقوله تعالى : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضا بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * [ البقرة : 20 ] فالشيء الذي قدر اللَّه عليه إما أن يكون موجودا أو معدوما ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر اللَّه عليه معدوم فالمعدوم شيء . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً [ الكهف : 23 ] أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولا / غدا ، والذي يصير مفعولا غدا يكون معدوما في الحال ، فالمعدوم شيء واللَّه أعلم والجواب : عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال عدمها ، فلا بد من التأويل بالاتفاق ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا ، وهذا هو الجواب عن البواقي .